الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين وأشهد أن لا ءاله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله.أما بعد

يقولُ اللهُ تعالى:[ وأذِّن في الناسِ بالحجِّ يأتوكَ رجالاً وعلى كلِّ ضامرٍ يأتينَ من كلِّ فجٍّ عميق ليشهدوا منافعَ لهم ويذكروا اسمَ اللهِ في أيامٍ معلوماتٍ على ما رَزَقَهُم من بهيمةِ الانعامِ فكُلُوا منها وأطعِموا البائسَ الفقيرَ ثمَّ ليقضُوا تفثهم وليُوفُوا نُذورَهُم وليَطَّوَّفُوا بالبيتِ العتيق] .

إخوة الإيمان والإسلام

ما إن ودَّعْنَا مُنذُ فترةٍ شهرَ رمضانَ المباركَ شهرَ الخيرِ والبركةِ حتى بدأتْ فريضةٌ كريمةٌ عظيمةٌ أخرى تُطِلُّ علينا ألا وهي فريضةُ الحجِّ التي فيها كلُّ الخيرِ والمنفعةِ والتي بها يَنفتِحُ بابٌ واسعٌ للانابةِ والتوبةِ الى اللهِ وقد أَخَذَتْ تَثورُ في نفوسِ كثيرٍ من المسلمينَ نوازعُ الشوقِ لاداءِ فريضةِ الحجِّ المباركةِ يتدفّقُونَ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ في أطرافِ المعمورةِ بالبرِ والجوِ والبحرِ قاصدينَ الديارَ المقدسةَ في بلادِ الحجازِ للتلاقي بعضُهُم ببعضٍ في رحابِ منزِلِ الوحيِ ويطوفونَ حولَ الكعبةِ الشريفةِ مهللينَ ومكبّرينَ ويحدوهُم رجاءٌ واحدٌ هو طلبُ رِضى اللهِ سبحانَهُ في المكانِ الذي جَعَلَهُ مثابةً للناسِ وأمناً ، ومن ثَمّة مُتابعةُ السيرِ الى المدينةِ المنوّرةِ لزيارةِ الحبيبِ المصطفى الذي محا اللهُ بنورِ هَدْيِهِ الظُّلُماتِ:

إلى طيبةٍ أُهدي سلامي وإعْظامي

ونَشوةَ أشواقي وجَذوَةَ إلهامي

إلى المسجِدِ المقصودِ مِن كُلِّ زائِرٍ

ومِن كُلِّ عَبَّادٍ ومِن كُلِّ قوّامِ

الى المصطفى في قبرِهِ سيِّدِ الورى

وصفوةِ خلقِ اللهِ والمَثَلِ السامي

 

ما أجملَهُ من مَنظَرٍ حيَن نُوَدِّعُ الاهلَ والاحبابَ والاصدقاءَ المُتوجّهِينَ الى بيتِ اللهِ الحرامِ لاداءِ فريضةِ الحجِ وهُم يُرَدِّدُونَ وقتَ رحيلِهِم هتافاً خاشِعاً ومؤثِّراً:{ لبيكَ اللهمَّ لبيك لبيكَ لا شريكَ لك لبيك إنَّ الحمدَ والنّعمةَ لكَ والمُلك لا شريكَ لك } وكيفَ لا تفرَحُ القلوبُ وتُسَرُّ النُفوسُ ومكّةُ دَوحَةُ الإيمانِ وأرضُ الإيمانِ وأحبُّ أرضِ اللهِ الى اللهِ مِنها دوّى صوتُ الحقِّ وامتدَّ نورُ الهدى يبدِّدُ ظُلُمَاتِ الشِّركِ والضّلالِ ليَملأَ الأرضَ نوراً وعَدْلاً. مِن هذِهِ البُقعةِ الكريمةِ انطلقَت قوافِلُ الفَتحِ ومواكبُ الايمانِ وتفتَحُ الدُّنيا بهديِ القرآن.

إخوةَ الايمانِ،

إنّ الحجَّ أمرٌ من جملةِ أهمِّ أمورِ الاسلامِ كالصلاةِ والصيامِ والزكاةِ فقد قالَ النبي عليهِ الصلاةُ والسلامُ :{ بُنيَ الاسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا الهَ إلا اللهُ وأنّ محمداً رسولُ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وحجِ البيتِ وصومِ رمضانَ }رواهُ البُخاريُّ .

ويجبُ الحجُ والعمرةُ مرةً واحدةً في العمرِ على المسلمِ البالغِ العاقلِ الحرِ المستطيعِ بما يُوصِلُهُ ويَرُدُّهُ
إلى وَطَنِهِ فاضِلاً عن دَيْنِهِ وَمَسْكَنِهِ وكِسْوَتِهِ اللاّئقينِ بِهِ ومُؤنةِ من عليهِ مُؤنتُهُم مُدَّةَ ذهابِهِ وإيابِهِ. وللحجِّ أركانٌ وواجباتٌ وسُننٌ فأمّا أركانُهُ الإحرامُ والوقوفُ بِعَرَفَةَ والطوافُ بالبيتِ سبعَ مَرّاتٍ والسّعيُ بينَ الصّفا والمروةِ سَبْعَ مراتٍ والحلقُ أو التقصيرُ والترتيبُ في مُعظمِ الأركانِ ويجبُ على من أرادَ الحجَّ أن يتعلَّمَ ما أحلَّ اللهُ فيهِ وما حرَّمَ وما هو واجبٌ فِعلُهُ في الحجِّ ويتعلَّمَ ما يُبطِلُ الحجَّ ليجتَنِبُهُ لأنَّ اللهَ كلَّفَنَا بأشياءَ فلا بُدَّ من مراعاتِهَا.
واعلَمُوا إخواني المؤمنينَ أنهُ يُسَنُّ للحاجِّ كما لغيرِ الحاجِّ زيارةُ قبرِ النبيِّ الأعظمِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بإجماعِ العُلماءِ والمجتهدينَ وهيَ من أنجحِ المساعي وأهمِّ القُرُبَاتِ إلى اللهِ سُبحانهُ وتعالى ، يقولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:{ من زارَ قبري وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتي } رواهُ الدّارَقُطْنيُّ وقَوَّاهُ الحافِظُ السُّبكيُّ ويقولُ أيضاً :{ ما بينَ قَبري ومِنبَري روضةٌ مِن رِياضِ الجنّةِ }رواه البخاري وغيره.

 

الصلاة والسلام عليك

يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكــم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنـــــه فيه العفاف وفيه الجود والكـــرم

أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته عند الصراط إذا ما زلت القـــدم

وصاحباك فلا أنساهما ابــــدا مني السلام عليكم ما جرى القلم

 

أخي المسلم، أيها الراغب في زيارة البيت الحرام وفي زيارة قبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام هلم الى مجلس علم الدين لتتعلم كيفية أداء الحج وكيفية أداء العمرة وءاداب الزيارة الكريمـة.

فمن اراد رضا الله سبحانه وتعالى والتقرب اليه بأداء مناسك الحج والعمرة كما أنه يتكلف من ماله وصحته ووقته لهذه الرحلة العظيمة لا بد وان يتكلف من وقته قبل الشروع وقبل البدء بمناسك الحج والعمرة لتعلم أحكام الحج والعمرة.

فلا خير في عبادة لا فقه فيها وكما قيل: ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج. سبب ذلك أن كثيرين يذهبون شوقا من غير أن يتعلموا أركان الحج والعمرة ومن غير أن يتعلموا مفسدات الحج والعمرة من غير أن يعرفوا كيف يصح الحج وكيف تصح العمرة من غير أن يعرفوا ما هو الذي يجبر بدم وما هو الذي اذا ما تركه لا يجبر بدم، ترى كثيرا من الناس يذهبون هناك فيضيعون بين فتوى فلان وكلام فلان وفتوى ءاخر فيكونون حيارى لا يعرفون حدود عرفات فيقفون خارح عرفات ولا يعرفون متى بدء الرجم وكيف يصح وكيف لا يصح وماذا يترتب على ذلك، كثير من هذه القضايا التي هي تتعلق بالحج نفسه، فضلا عن أحكام الصلوات الخمس المفروضة التي كثير من الناس يضيعونها اثناء رحلتهم من البر أو البحر أو الجو قد يؤخرون الصلاة عن وقتها من غير عذر قد يجمعون بين الصلاة من غير موافقة لأحكام الشرع، قد يكون الواحد منهم مغتاظا

غاضبا لقضية ما أو حادثة معينة فترى بعضهم يتلفظون بألفاظ نابية حتى قيل إن بعضهم يسب الله أو الرب أو الدين او الحج والعياذ بالله فيكون بهذا خرج من الاسلام.

لذلك نشدد على أهمية حضور مجالس علم الدين من أفواه الثقات قبل ان يبدأ برحلة الحج يكون قد عرف ما هو الواجب وما هو الركن وما هي سنن الحج وما هي مفسدات الحج وماذا يحلّ له وماذا يحرم عليه من أحكام.

تذكر أخي المسلم أنك تكابد المشقات وتنفق كثيرا من النفقات فليس كثيرا عليك وأنت تريد رضا الله سبحانه وتعالى ان تصرف جزءا من وقتك قبل ان تركب الطائرة للبدء برحلة الحج المباركة لتتعلم ضروريات الحج حتى لا تعود من هذه الرحلة فلا يكون لك حج ولا تكون لك عمرة.

هذا الحج المبارك له مزية عظيمة خصه الله تبارك وتعالى بها وهي أنه يكفّر الكبائر والصغائر كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه”.رواه البخاري

إخوةَ الايمانِ إنَّ لأعمالِ الحجِّ وشعائِرِهِ فوائِدَ وحِكَماً عظيمةً ومزاياً جليلةً ففي الحجِّ يجتمِعُ مِئاتُ الآلافِ مِنَ المُسلِمِينَ على كلمةِ لا الهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ وهُناكَ يَدعُونَ رَبَّهُم وخَالِقَهُم ويَتَعَارَفُونَ ويَأتَلِفُونَ ويُصبِحُونَ بِنِعمةِ اللهِ إخْواناً، هُناكَ في هذِهِ الأرضِ المُقَدَّسَةِ يَتَذَكَّرُ المُسلِمُ أخاهُ المُسلِمَ وما له من حُقوقٍ فيتفاهَمُونَ ويتعاونونَ ليبلُغُوا الأهدافَ ويُحقِّقوا الآمالَ هُناكَ تَتَجلَّى مَعاني الأخوَّةِ والمُساواةِ بينَ المُسلمينَ فلنأخُذِ العِبرَ والدُّروسَ من هذِهِ الصّورةِ العَظيمةِ فإنَّ الإتحادَ طَريقُ النَّصرِ وما عَزَّتِ الأمَّةُ وبَلَغَتْ ما بَلَغَتْ في أوَّلِ الأمرِ إلا لأنّها تَمَسّكَتْ واعتَصَمَتْ بحبْلِ اللهِ وتَغَلَّبَتْ على الأهواءِ مُسْتَجيبَةً لقولِ اللهِ تعالى[ واعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تَفَرّقُوا واذكُروا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إذ كُنتُم أعداء فَألّفَ بَينَ قُلُوبِكُم ]

ونحنُ اليومَ إزاءَ ما نُعانيهِ مِن تَشَتُّتٍ وتباعُدٍ وتشرذُمٍ، مدعوونَ جميعاً الى التعاونِ والتّماسُكِ وتنسيقِ المواقِفِ. فلا بُدَّ من التضامُنِ ولو بحدِّهِ الأدنى لنُحافِظَ على حُقوقِنا كأمَّةٍ بالوقوفِ على أرضٍ صُلْبَةٍ نستطيعُ من خلالِها مواجَهَةَ التَّحدِّياتِ المُقبلةِ.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ونسأله تعالى أن يوفق حجاجنا الكرام وأن يردهم سالمين غانمين بالأجر والثواب وأن يجعل حجهم مبرورا وسعيهم مشكورا وذنبهم مغفورا